بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا، عملت النخب الفرنكفونية على إرساء منظومة الاستعمار الداخلي بقيادة الراحل الحبيب بورقيبة، كما حرصت على أن تُعرّف تونس لأهلها وغيرهم باعتبارها أمة برأسها (الأمة التونسية). وهي أمة لم يجد "الزعيم" حرجا في أن يذكّرها -من باب دَين المعنى- بأنها لم تكن من قبلُ إلا "ذرات بشرية" لا قيمة لها. فالأمة التونسية حسب السردية السلطوية في لحظتها الدستورية وبصورة أقل في لحظتها التجمعية؛ هي صناعة بورقيبية خالصة. وهي "أُمّة" توضع واقعيا في تقابل مع الأمة العربية (المشروع القومي الناصري والبعثي) ومع الأمة الإسلامية (المشروع الإسلامي بمختلف تشكيلاته). ولكنّ هذا التقابل الذي هندس التوجهات العامة لمنظومة الحكم بعد "الاستقلال" لم يكن جذريا في مستوى الخطاب/التشريع الرسمي. فقد استدمجت "البورقيبيةُ" الإسلامَ والعروبةَ في توطئة الدستور المؤسس للجمهورية وفي الفصل الأول من ذلك الدستور، ولكنه استدماج لم يتجاوز المستوى الخطابي مثله في ذلك كمثل كل المعاني المشتقة من المصادرة الأصلية الواردة في الفصل الأول من دستور "منظومة الاستعمار الداخلي": "تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها".
ليس يعنينا في بداية هذا المقال انتقاد البورقيبية -أي أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي- وتبيان الهوة السحيقة بين ما وعدت به في دستورها وبين ما تحقق واقعيا خلال حكم "الزعيم" وحكم وريثه "صانع التغيير" المخلوع بن علي، بل كل ما يهمنا هو أن نشير إلى أن مفهوم الدولة-الأمة كان يفرض على النخب الحاكمة أن يتدبروا العلاقة بين الدولة بالدين بصورة مختلفة عن نوع العلاقة التي سبقت ظهور البورقيبية باعتبارها أحد الفلسفات السياسية "الكمالية" (نسبه إلى كمال أتاتورك). فالكمالية هي النموذج الأكثر راديكالية في عمليات التحديث على أساس الفلسفة اللائكية الفرنسية المعادية بالجوهر والقصد للدين وللهوية الجماعية، برموزها وقيمها ومؤسساته التقليدية ساريا إلى سنة 2001.
في سوريا، كانت الأقلية العلوية أقلية دينية وأيديولوجية على حد سواء، وكانت مشكلتها مع الطائفة السنية تتجاوز مشكلتها مع "الإخوان" أو غيرهم من الإسلاميين. فحكم الأقلية الطائفية العلوية هو دليل على تغييب الإرادة الشعبية، أو على الأقل دليل على تلاعب السلطة بتلك الإرادة. لقد كانت القيادات البعثية العلوية تعادي الحجاب من موقعين متظافرين: أولا، موقع طائفي لا يرى في الحجاب أي فريضة دينية ويرى فيه تعبيرا عن هوية جماعية يجب طمسها في إطار المشروع العلوي الطائفي المتغنّي بـ"القومية العربية"؛ ثانيا، موقع أيديولوجي يرى في الحجاب مظهرا من مظاهر الرجعية والتخلف في المجتمع الذكوري حسب السردية البعثية "التقدمية".
أما في تونس فإن الأقلية المهيمنة هي أقلية أيديولوجية تنتمي نظريا إلى الطائفة السّنية، ولكنها واقعيا تنتمي إلى منظومة الاستعمار الداخلي التي لا تعكس ثقافة المجتمع وخياراته الحرة، بل تحكمها إملاءات القوى الغربية، خاصة فرنسا التي لا تفصل بين الهيمنة الثقافية والنهب الاقتصادي حتى في مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر.
رغم سقوط المنشور 108 وسائر المناشير المشابهة له بعد الثورة التونسية، فإن صراع "التأويلات الدينية" ظل عاملا من أهم عوامل الانقسام المجتمعي الحاد. فأغلب المنتمين إلى ما يُسمى "بالقوى الحداثية" ما زالوا مصرّين على إعادة تدوير البورقيبية دون أي مراجعة نقدية، وما زالوا أيضا رافضين للإسلاميين فاعلا سياسيا معترفا به ومطبَّعا معه، بعيدا عن منطقي الاستئصال الصلب والناعم، بل إنهم -من منظور لائكي- لا يريدون أن يكون للإسلام في ذاته ذكر في الدستور ولا أي دور في بناء المشترك المواطني وفي هندسة الفضاء العام. وإذا ما انفتح "الحداثيون" -أي المنتمون إلى الأقليات الأيديولوجية بمختلف مرجعياتها- على الدين فإنهم يميلون إلى التراث غير السني برموزه وتواريخه ومشاريعه الفكرية والسياسية، ويتخذون مسافة فكرية وشعورية عن التاريخ الجمعي كما يتمثله عموم المواطنين. ولذلك نجد أن أغلب "الحداثيين" متعاطفون مع الأقليات الدينية والفلسفية والاجتماعية في التاريخ وفي الواقع، ومتماهون مع كل أعداء الأغلبية السنية قديما وحديثا.
رغم عدم حضور العامل الطائفي بصورة صريحة في بناء السرديات السياسية المتنازعة، فإنه يظل محددا من أهم محددات العقل السياسي في تونس وغيرها. فأغلب الحركات الإسلامية بقياداتها وقواعدها هي حركات "سنّية" تعادي "أهل البدع والضلال" وإن تقاربت/تعاطفت معهم في سياقات معينة، أما "الحداثيون التونسيون" فإن أغلبهم لا يتماهون مع التراث السني سواء في التاريخ أو في السياقات الحالية، ويتعاطفون في مقابل ذلك مع كل الأقليات التي تعادي الأغلبية السنية سواء أكانت أقليات عسكرية أم طائفية أم أيديولوجية
ونحن نعتبر أن المكبوت الطائفي أو المكبوت الطائفي المضاد يُعبّران معا عن أزمة بنيوية في الوعي السياسي التونسي، وهي أزمة تجد جذرها في ذلك الانفصام الأصلي الذي ولدته الاستعارة "الوطنية" التي شرعنت بها منظومة الاستعمار الداخلي سلطتها، تلك الاستعارة القائلة بأن تونس هي "دولة" وليست كيانا وظيفيا، وأنها جمهورية "حرة مستقلة ذات سيادة"، والحال أنها قد كانت -منذ عهد "الزعيم" ومن بعده "المخلوع"- جملوكيةً ريعيّة زبونية؛ لا دور لنخبها الوظيفية إلا إعادة تدوير شروط التخلف والتبعية في ظل استعارة حداثية تحررية تنويرية زائفة.
عربي 21
عادل بن عبد الله