: تونس… حين تفشل السلطة في إنتاج الشرعية وتنتزع المعنى من السياسة...
لم تعد أزمة تونس مجرد خلاف سياسي أو صراع بين سلطة ومعارضة، بل تحولت إلى أزمة أعمق: أزمة سلطة بلا مشروع، وسياسة بلا معنى، ومجتمع بلا أفق واضح.
السلطة التي رفعت شعار “تصحيح المسار” لم تنجح، بعد أكثر من ثلاث سنوات، في تقديم رؤية سياسية أو اقتصادية متماسكة. فبدل بناء شرعية جديدة قائمة على الإنجاز والمؤسسات، لجأت إلى خطاب الإدانة والتخوين، وبدل توسيع المجال العام، ضيّقته، وبدل معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، اكتفت بإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها.
منذ 25 جويلية، دخلت تونس مرحلة اتسمت بتراجع دور المؤسسات المنتخبة، وتهميش الأحزاب، وإضعاف الوساطة السياسية، مقابل تركيز متزايد للسلطة في يد واحدة. لكن المفارقة أن هذا التركيز لم يُنتج دولة أقوى، بل كشف هشاشة الدولة نفسها، وعجزها عن تقديم حلول ملموسة لمشاكل المواطنين.
في المقابل، لم تنجح المعارضة في استثمار هذا الفشل لصياغة بديل سياسي مقنع. فقد ظلت أسيرة صراعاتها الداخلية وخطابها الدفاعي، عاجزة عن تقديم مشروع جامع يتجاوز نقد السلطة إلى بناء رؤية مستقبلية للدولة والمجتمع.
أما المجتمع التونسي، فقد وجد نفسه خارج المعادلة السياسية. فالمواطن الذي خرج يوماً مطالباً بالحرية والكرامة، أصبح اليوم منشغلاً بالسؤال الأكثر بساطة وقسوة: كيف يعيش؟ ومع تراجع الثقة في السلطة والمعارضة معاً، تتوسع مساحة اللامبالاة، ويزداد الشعور بأن السياسة لم تعد قادرة على التعبير عن تطلعات الناس، بل وعاجزة عن التغيير، ان لم تكن متواطئة مع ما هو حاصل في الواقع...
إن أزمة تونس اليوم ليست أزمة دستور أو انتخابات، بل أزمة شرعية ومعنى. سلطة لم تعد قادرة على إقناع المجتمع بمشروعها، ومعارضة لم تعد قادرة على إقناع المجتمع ببديلها. وبين الاثنين، تتآكل السياسة نفسها.
تونس تقف اليوم أمام خيار حاسم: إما الاستمرار في منطق السلطة بلا مشروع والمعارضة بلا رؤية، أو الشروع في إعادة بناء السياسة على أساس جديد يعيد للشرعية معناها وللدولة وظيفتها وللمجتمع أفقه.
رياض الشعيبي