في خطوة لافتة، طالب ستون نائبا في البرلمان الأوروبي خلال الأسبوع الأخير من شهر جويلية/يوليو بعقد اجتماع طارئ لمحاسبة الحكومة الإسرائيلية على أفعالها التي “تنتهك بشكل صارخ اتفاقية جنيف والقانون الإنساني الدولي”. لم تكن هذه الدعوة معزولة، بل جاءت على إثر اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم 15 جويلية المنقضي لمناقشة تقرير مفصّل يتهم إسرائيل بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وخرق الاتفاقيات المُوقعة مع الاتحاد، بطلب من تحالف يقوده وزير الخارجية الهولندي هانكي بروينز سلوت ويضمّ 17 دولة أوروبية على رأسها إسبانيا وإيرلندا وفرنسا وسلوفينيا. وبالرغم من عدم اتخاذ قرار حاسم في ذلك الاجتماع، مثّل التقرير قاعدة مهمّة يمكن الاستناد عليها لمراجعة عدد من الامتيازات التجارية والدبلوماسية التي مُنحت لإسرائيل.
ويتمثل أبرز الرهانات في مطلب تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، الذي يصطدم بشرط إجماع الدول الأعضاء في الاتحاد، وهو أمر شبه مستحيل في ظلّ الدعم القوي الذي تقدمه دول مثل المجر وإيطاليا لإسرائيل. غير أنّ شرط الإجماع يثير في حدّ ذاته جدلًا قانونيًّا. كما توجد وسائل أخرى للاتحاد الأوروبي للضغط على إسرائيل، من بينها تعليق مشاركة إسرائيل في برنامج “هوريزون أوروبا” البحثي، وهو برنامج التمويل الرئيسي للاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار. تكمن خطورة هذا البرنامج في أنه يموّل عددا من الشركات الناشئة والصغيرة التي تُطور تقنيات ثنائية الاستخدام مثل الأمن السيبراني والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي، وقد سبق أن أشارت إليه المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي حول اقتصاد الإبادة. وبما أن هذا البرنامج يتبع مباشرة للمفوضيّة الأوروبية، فإنّ تعليقه لا يتطلّب إجماع الدول الأعضاء، مما يجعله الخيار الأسهل.
تكتسب هذه النقاشات الأوروبية ثقلا استثنائيا حين ندرك حجم الارتباط الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. فالأرقام ترسم صورة لا لبس فيها: الاتحاد ليس مجرد شريك، بل هو الرئة الاقتصادية التي يتنفس بها الاقتصاد الإسرائيلي، مستحوذا على ثلث تجارته السلعية مع العالم، بقيمة تبلغ 48،25 مليار دولار سنة 2024. تشمل هذه الواردات بضائع ذات أهمية استراتيجية كالآلات والمواد الكيميائية، في حين تعدّ تجارة الخدمات 29 مليار دولار أخرى. كما أن ربع احتياطيات بنك إسرائيل موجودة في أوروبا. ومن جهة أخرى، صدّرت إسرائيل ما قيمته 10،8 مليار يورو إلى الاتحاد الأوروبي.
هذا الاعتماد الاقتصادي الهائل يمنح أي تهديد بفرض عقوبات أوروبية وزنا استراتيجيا كبيرا. ومع ذلك، تخشى دوائر أوروبية من أن اتخاذ عقوبات موجعة على إسرائيل قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى استغلال الموقف وفرض عقوبات مضادّة على الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في ظل موجة الاعترافات الأوروبية المتزايدة بالدولة الفلسطينيّة. لكنّ التحرّكات الأوروبية الأخيرة تأتي استجابة لضغط مجتمعي كبير، وضدّ تجاوز إسرائيل كلّ الحدود الممكنة ومضيّها في الإبادة والتجويع المستمر منذ قرابة سنتين. فما يحصل في غزّة يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار وجودي لمصداقيّته، وهو الذي يعتبر نفسه “قوّة معياريّة”، تتميّز بتمسّكها بحقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي. فالإجراءات التي سيتّخذها اليوم، ولو بتأخر كبير، كما تلك التي سيمتنع عنها، ستكون محدّدة ليس فقط في رهان تشديد الحصار على إسرائيل، ولكن ربما أيضا في مستقبل دور الاتحاد الأوروبي نفسه.
الإجماع: شرطٌ مستحيل أم ذريعة للتهرّب من المسؤولية؟
سبق لبعض الدول الأوروبية، ومن بينها إسبانيا وإيرلندا، الدّعوة لمراجعة عاجلة لمدى امتثال إسرائيل لاتفاقيّة الشراكة والتعاون مع الاتحاد الأوروبي منذ شهر فيفري 2024. وتصدّت حكومة المجر ذات الانتماء الشعبوي، لعرقلة أيّ مبادرات تتطلّب دعمًا واسعًا من الاتحاد، بما في ذلك حتى فرض عقوبات على عددٍ قليل من المستوطنين الإسرائيليين المتطرّفين.
ولكن مع تفاقم الأزمة الإنسانية وسياسات التجويع التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي، عادت فكرة مراجعة اتفاقيّة الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لتفرض نفسها بقوة، مستندة إلى جوهر الاتفاقية نفسها. فالمادة الثانية منها تنصّ صراحة على أنّ العلاقات بين الطرفيْن يجب أن تنبني “على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، التي توجّه سياسة الطرفين الداخلية والدولية”.
هذه المادة ليست مجرد بندٍ في اتفاقيّة ثنائيّة، بل تُعتبر تجسيدًا مباشرًا للمادة 21 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تُلزم الاتّحاد بأنْ يسترشد في سياسته الخارجية بمبادئ “الديمقراطية وسيادة القانون وعالمية حقوق الإنسان وعدم قابلية التجزئة للحقوق والحريات الأساسية، واحترام كرامة الإنسان، ومبادئ المساواة والتضامن، واحترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.”
وفي ضوء هذا الأساس القانوني يرى عدد من الخبراء القانونيين بأن تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل قد لا يتطلب بالضرورة إجماع كافة الدول الأعضاء.. فبدلا من الإجماع الذي يسمح لدولة واحدة بعرقلة القرار، يمكن اللجوء إلى آلية التصويت بالأغلبية المؤهلة مثل ما يرى ميرين شامون، الأستاذ الزائر للقانون الأوروبي في معهد أوروبا. ويتأسّس المدخل القانوني في الاجتهاد حول طريقة التصويت على قراءة تأويلية للفقرة 8 من المادة 218 لمعاهدة عمل الاتحاد الأوروبي (TUFE)، وهي التي تنصّ على وجوب الإجماع حول مراجعة اتفاقيات الشراكة كشكلٍ من أشكال الاستثناء للاتفاقيّات الأخرى. يؤكّد الرأي القانوني هنا أنّ الإجماع يهمّ مراحل معيّنة من الاتّفاقية، وهي المراحل المتعلقة بقرار المجلس الأوروبي تفويض المفاوضات (الفقرة 2) واعتماد توجيهات التفاوض (الفقرة 4) والتوقيع (الفقرة 5) والإبرام (الفقرة 6). في حين أنّ تعليق الاتفاقيات منصوص عليه في الفقرة التاسعة من الفصل 218، مما يجعله من الناحية المنهجيّة والنصّية لا يقع تحت الاستثناء الوارد في الفقرة الثامنة من الفصل، وذلك عملًا بقاعدة تفسير الاستثناءات من القواعد بشكل ضيق. وتستند هذه القراءة إلى فقه قضاء محكمة العدل الأوروبية، وخصوصا قضية المملكة المتحدة ضدّ المجلس الأوروبي (المجموعة الاقتصادية الأوروبية-تركيا) في 18 ديسمبر 2014، حيث طُرح سؤال شبيه حول الأغلبية المطلوبة داخل المجلس الأوروبي لتحديد الموقف من اتفاقية الشراكة مع تركيا. في نفس السياق، يمكن الاستناد إلى عناصر أخرى لاعتماد تأويل “الأغلبية المعززة” بدلًا عن الإجماع، مثل الصبغة التجارية والاقتصادية لعددٍ من فصول اتفاقية الشراكة. إذ يرى لوراند بارتلز، أستاذ القانون الدولي في جامعة كامبردج، أنّ البنود المتعلّقة بالتبادل الحرّ ضمن اتفاقية الشراكة تدخل ضمن السياسة التجارية المشتركة للاتحاد الأوروبي، الخاضعة لقاعدة الأغلبية المعززة. تُبرز هذه التأويلات أنّ شرط الإجماع ليس محسومًا قانونيّا، بل ربما يكون ذريعة سياسيّة للمفوضيّة وغالبية الدول داخلها للتهرب من مطلب تعليق اتفاقيّة الشراكة، بعنوان استحالة الوصول إلى إجماع. وهو ما يضع مسؤولية إضافية للدول الأوروبية، بما فيها تلك التي تدعي موافقتها على تعليق الاتفاقية، مع إمكانية وجود مخرج قانوني لمعضلة التصويت بالإجماع.
آليات إضافية للعقوبات
تعليق اتفاقية الشراكة، على أهميته، ليس وسيلة الضغط الوحيدة المتوفرة للاتحاد الأوروبي. إذ يُمكن اللجوء إلى عدد من النصوص الأخرى لاتخاذ تدابير عقابية. وهو ما يتجلى في المبادرة التي قادها محامون وقانونيون فرنسيون وبلجيكيون من جمعية Jurdi، من خلال رفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الأوروبية في “الفشل في التصرف” ضد كل من المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي. وهي بادرة مهمّة، إذ لم يسبق أبدا أن تمّت إحالة مؤسستين أوروبيتين دفعة واحدة أمام محكمة العدل الأوروبية بسبب فشلهما في وقف انتهاكات للقانون الدولي. يستند الأساس القانوني للدعوى على المادة 265 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تسمح بمساءلة أي مؤسسة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي عندما “تتقاعس عن اتخاذ إجراءات تكون مُطالبة بها قانونا”. حيث أكّدت جمعية Jurdi أنّ المفوضية والمجلس الأوروبيّين “فشلا في تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لمدة 21 شهرا” كما “فشلا في اقتراح عقوبات أو قيود اقتصادية على حكومة نتنياهو، وفشلا كذلك في اتخاذ موقف علني بشأن مخاطر الإبادة الجماعية والجرائم الموثقة”. وقد ندّدت الجمعية في هذا السياق بالمعايير المزدوجة للعقوبات الأوروبية، حيث قام الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال بتوجيه 18 حزمة للعقوبات ضد روسيا على خلفية الحرب مع أوكرانيا، بالإضافة إلى عقوبات أخرى ضد ميانمار وسوريا وبيلاروسيا، بينما لم يتم اتخاذ إجراءات مماثلة في خصوص الإنتهاكات الإسرائيلية.
تتمثل الأداة الثانية في نظام “العقوبات العالمي لحقوق الإنسان في الإتحاد الأوروبي” أو ما يُعرف بنظام Global magnitsky الأوروبي، الذي تمت المصادقة عليه في 7 ديسمبر 2020. تسمح هذه الآلية بفرض عقوبات محددة الهدف مثل حظر السفر وتجميد الأصول على الأفراد المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بغضّ النظر عن مكان وقوعها في العالم. كما يمكن لها استهداف الكيانات والهيئات بما فيها الجهات الفاعلة الحكوميّة وغير الحكوميّة المسؤولة عن الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، أو المتورطة فيها أو المرتبطة بها. وقد استُخدم هذا النظام بالفعل لفرض عقوبات ضد شخصيات من روسيا وكوريا الشمالية وليبيا وأريتريا والصين، إذ تمّ إدراج الأسماء ضمن قائمات العقوبات بناء على مقترحات مقدّمة من الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، أو من دولة عضو، على أن يقرّها المجلس. ويشمل إطار العقوبات التدابير التقييدية المستهدفة على أفعال مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضدّ الإنسانية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في توافق مع ما تنصّ عليه المادة 21 من معاهدة الاتحاد الأوروبي. ويُمكن هنا الاستفادة من تجارب مقارنة لبعض النصوص القانونية المُشابهة لهذا الإطار الأوروبي في بعض الدول الأخرى، ومن بينها المملكة المتحدة، العضو السابق في الاتحاد الأوروبي، حيث قامت سنة 2024 بتوجيه عقوبات ضد ثلاث بؤر استيطانية في الضفة الغربية وأربع منظمات إسرائيلية دعمت وحرضت وشجعت على العنف ضدّ الفلسطينيين. غير أن التحدّي الأكبر لتطبيق هذه الآلية يتمثّل في أن قرار إدراج أي فرد أو كيان لا يزال يتطلب إجماعا كاملا للدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي.
قرارات منفردة
في الأثناء، وفي ظلّ عدم تقدّم مسار العقوبات الأوروبية المشتركة، اتخذت بعض دول الاتحاد الأوروبي بشكل منفرد عددًا من الإجراءات. إذ منعت سلوفينيا وهولندا كلا من الوزيرين الإسرائيليين سموتريتش وبن غفير من دخول أراضيهما، متهمين إياهما بالترويج للتطهير العرقي. كما فرضت إسبانيا قيودا بعدم السماح للسفن التي تحمل السلاح لإسرائيل بالتوقف في موانئها وصادق البرلمان الإسباني على مقترح حظر تجارة الأسلحة مع إسرائيل في ماي الماضي، هذا عدا عن إلغاء صفقة لشراء 1700 صاروخ مضاد للدبابات من إسرائيل بقيمة 287 مليون يورو. وفي قرار مفاجئ يوم 8 أوت، علّقت الحكومة الألمانية كل صادرات الأسلحة التي قد تستخدمها إسرائيل في قطاع غزة، ردًّا على قرار توسيع عمليتها العسكرية. وهو قرار باغت حتى بعض حلفاء المستشار الألماني الحكوميين، مثل الحزب الديمقراطي المسيحي. خصوصا وأن ألمانيا تُعتبر ثاني مُصدّر للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بواقع ثلث إجمالي واردات إسرائيل من الأسلحة بين 2020 و2024، ومعظم هذه الأسلحة من أسلحة الدفاع البحري مثل الفرقاطات بالإضافة إلى محرّكات للمركبات المدرعة. ومن جهة أخرى، تسعى إيرلندا إلى إعداد تشريع يحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تُعتبر هذه الإجراءات المنفردة والمحدودة، متأخّرة، بالمقارنة مع ما قامت به النرويج التي لا تنتمي للاتحاد الأوروبي رغم عضويتها في المنطقة الاقتصادية الأوروبية. إذ قام صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو أكبر صندوق سيادي في العالم، بالتخلي عن الإستثمار في عدد من الشركات الإسرائيلية، كخطوة جديدة ضمن مراجعته المستمرة للتعاون مع الإسرائيليين بسبب الإبادة، وبدأ فعليّا في تصفية حِصصه ضمن 11 شركة إسرائيلية. للإشارة فإنّ الصندوق كان يمتلك أسهما في 65 شركة إسرائيلية بنهاية سنة 2024، تبلغ قيمتها 1،95 مليار دولار. وقد قام الصندوق في ماي الماضي بسحب استثماراته من شركة “باز” للطاقة والتجزئة، وانسحب في ديسمبر من العام الماضي في شركة “بيزك” للاتصالات، بسبب تقديمها لخدمات الاتصالات في مستوطنات الضفة الغربية، وأعلن في أفريل 2024 سحب قرابة نصف مليار دولار من السندات الإسرائيلية.
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية: مرجع ممكن للعقوبات الأوروبية؟
رغم أنّها تبقى رهينة موازين القوى السياسيّة داخل الدول والمؤسسات، إلاّ أنّ الإجراءات العقابيّة ضدّ إسرائيل تبدو أيضا كواجب قانونيّ، تبعا لالتزامات الدول والمنظمات بالقانون الدولي. إذ يفتح إقرار محكمة العدل الدولية باحتمالية حصول إبادة، بناء على الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا، الباب لملاحقة كلّ الدول والجهات الداعمة لإسرائيل والمتواطئة في ارتكاب الإبادة، تسليحًا أو تمويلاً أو حتى عبر الدعم والغطاء السياسي. كما يتوجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والمنضوية في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عنها بحقّ نتنياهو وغالنت. وهو التزام واضح لا لبس فيه، رغم محاولة بعض الدول الأوروبية التهرّب منه بتأويلات قانونيّة سبق أن دحضتها محكمة الجنايات الدولية. كما يتوجّب عليها أيضا حماية استقلالية المحكمة أمام ما تواجهه من الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية من حملات تشكيك وشيطنة وصولاً إلى العقوبات.
من جهة أخرى، يُسلط الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول “لا شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة والآثار المترتبة على ذلك” الصادر في 19 جويلية 2024، الضوء على ثلاثة انتهاكات رئيسية ضد معايير القواعد الآمرة في القانون الدولي “jus cogens”، وهي حظر العدوان، وحظر التمييز العنصري والفصل العنصري، إضافة إلى حماية حق الشعوب في تقرير المصير. وقد حدد الرأي الاستشاري كذلك التزامات واضحة للدّول الأعضاء في الأمم المتحدة، من بينها “الامتناع عن الدخول في معاملات اقتصادية أو تجارية مع إسرائيل في ما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة أو أجزاء منها والتي قد تؤدي إلى ترسيخ وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة” و”اتخاذ خطوات لمنع العلاقات التجارية أو الاستثمارية التي تساعد في الحفاظ على الوضع غير القانوني الذي خلقته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة”. يفترض الامتثال لهذه الالتزامات، تبني حظر شامل على التجارة مع المستوطنات غير الشرعية، كما تطالب بذلك عشرات المنظمات الحقوقية، من بينها هيومن رايتس واتش. إلا أنّ قراءة أكثر عمقا، يُمكن أن تذهب نحو درجة أخرى من العقوبات، أبعد مما يشمل الأراضي المحتلة في 1967، نظرا لصعوبة فصل الاقتصاد الفلسطيني عن الاقتصاد الإسرائيلي بسبب الوضع غير القانوني الذي أوجدته إسرائيل في الأراضي المحتلة. وهو ما يمكن أن يتم استدعاؤه لفرض عقوبات جديدة على إسرائيل بالاستناد إلى عدد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصا القرارات المتعلقة بالتدابير التجارية في سبتمبر 2024. فالإقرار بدور إسرائيل كقوة احتلال، يعني أن ممارساتها تؤدي إلى استغلال متواصل للاقتصاد الفلسطيني. وقد بين تقرير منشور لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD في سنة 2022 كيفية استفادة الاقتصاد الإسرائيلي من وسائل الهيمنة، ومن الموارد الفلسطينية بشكل استنزافي، وهو ما أكده كذلك تقرير فرانشيسكا ألبانيزي حول اقتصاد الإبادة مؤخرا، مما يُشكل أحد المصادر التي يمكن توظيفها في فرض عقوبات ضد إسرائيل.
ومن ناحية العقوبات التجارية، يفتح الرأي الإستشاري الباب أمام الاستفادة من التدابير الاستثنائية لقانون منظمة التجارة العالمية، خصوصا المادة C21 من الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة GATT التي تسمح للدول باتخاذ تدابير تُنفذ من خلالها التزاماتها التي يُكرسها ميثاق الأمم المتحدة للسلم والأمن، حتى لو كانت هذه التدابير غير قانونية في الظروف العادية، وهي آلية ناجعة في الإتفاقيات الثنائية. وأبعد من ذلك، يُمكن الاستناد إلى “المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان”، التي تضع عددا من المعايير الدولية حول تأطير الأنشطة التجارية في حالات إضرارها بحقوق الإنسان، ومسؤولية الدول والشركات حيالها. مثل هذه المعايير تم تبنيها في عدد من التوجيهات القانونية على مستوى الاتحاد الأوروبي، وفي المستوى الوطني لدى بعض دول الاتحاد مثل فرنسا وألمانيا. وإن كانت هذه المعايير غير ملزمة بعد للدول والشركات، إلا أنّ قيمتها القانونية تتدعّم تدريجيّا من خلال الإستناد إليها في عدد من القرارات القضائية دوليا ومحليا، حتى أنها أصبحت اليوم تمثل وزنا معياريا لمسؤولية الشركات في حقوق الإنسان بالاعتماد على مزيج ذكي من التدابير الإلزامية وغير الإلزامية. هذه المعايير تساهم في زيادة الضغط على الشركات المُساهمة في اقتصاد الإبادة، كما يُعتبر وسيلة مهمّة لحركات المقاطعة في توظيفها ضد هذه الشركات.
ختاما، لا يمنع التفسير “النصي” لاشتراط الإجماع في تنفيذ عقوبات بالاستناد إلى اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهو التفسير الذي تتمسك به أطراف القرار الفاعلة داخل الاتحاد، من تجاوزه عن طريق ترسانة قانونية أخرى متكاملة وفاعلة. وفي ظلّ استمرار العربدة الاسرائيلية وتجاوزها كلّ الحدود، بدأ استحقاق العقوبات يفرض نفسه على دول هامة في الاتحاد، ظل موقفها لمدة طويلة مساندا بشكل كبير للسردية الإسرائيلية، على غرار هولندا التي بدأت في تنفيذ عقوبات محتشمة ودعمت المشاريع الأوروبية المشتركة للعقوبات. يتزامن هذا الزخم المتصاعد حول العقوبات الأوروبية، مع موجة من قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يعكس ضغط الشارع والمجتمع المدني الأوروبي الرافض لحرب الإبادة. وفي المقابل، تتقلص مساحة الرفض لفرض العقوبات، حيث تقود دول مثل إيطاليا والمجر، التي تحكمها أحزاب شعبوية يمينيّة، جبهة المعارضة إلى جانب ألمانيا والنمسا وجمهورية التشيك. في نهاية المطاف، يتجاوز الجدل حول موضوع العقوبات مجرد كونه إجراء سياسيا، ليصبح اختبارا حقيقيا لمدى مصداقية أوروبا والتزامها بمنظومة حقوق الإنسان العالمية. ففي عالم يتأرجح بين نموذج أمريكي يتجاهل القانون الدولي ونموذج صيني لا يؤمن بالمبادئ الديمقراطية، يقف الاتحاد الأوروبي أمام فرصة حاسمة لإعادة تعريف دوره كقوة معيارية على الساحة الدولية، واستدراك ما أمكن مما عرّته حرب الإبادة من كيْل بمكيالين ومنطق عنصري دفين لا يزال يحكم نظرة جزء كبير من النخب الأوروبية لحقوق الإنسان الكونية.
المفكرة القانونية