السلطات «تتورّط» في تفاهمات ما مع بعض جلاّدي النظام الساقط مقابل معلومات تكشف المزيد من جرائم هذا النظام، ما جلب لها اتهامات عدة بالتقصير والتمييز في المحاسبة المطلوبة. وفي هذا السياق يبرز مثلا اسم أحد قادة ميليشيات نظام بشار هو فادي صقر الذي تأخرت محاسبته على عديد الجرائم بسبب تعاونه مع السلطة في كشف فلول النظام، مما دعا زهرة البرازي نائبة رئيس هيئة العدالة الانتقالية إلى معالجة هذا الحرج بالقول إن العمل جار في إعداد ملف صقر الذي «كان مفيدا لأسباب معيّنة ولكنه لم يعد كذلك فلا أحد فوق القانون».
قد تعود هذه الهنّات في مسار العدالة الانتقالية إلى قلة الخبرة وانعدام التجربة، مع إكراهات التوازنات السياسية طبعا، لكنها تحتاج في كل الأحوال إلى داعمين أساسيين اثنين: أولا مرافقة دولية لهذا المسار وثانيا الاستفادة من تجارب سابقة جرت في عدة بلدان عرفت مراحل انتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية والمصالحة غاية في الأهمية.
بالنسبة إلى الداعم الأول، تظل من المهم جدا الاستفادة من «الآلية الدولية المحايدة والمستقلة» التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر /كانون الأول عام 2016 «للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة المرتكبة في سوريا منذ مارس/ آذار 2011»، وهو ما شٌرع فيه فعلا في شباط/فبراير الماضي عندما سمحت السلطات لهذه الآلية بتحقيقات على الأرض السورية للمرة الأولى، والمساعدة في حفظ الأدلة.
أما بالنسبة للداعم الثاني، فإن سوريا لا يمكنها أن تجد المسار الأسلم للمحاسبة دون أن تعمل على الاستفادة من تجارب عدة دول عربية وغيرها مرت، في سياقات مختلفة، بمسار العدالة الانتقالية المعقّد مثل المغرب مع «هيئة والإنصاف المصالحة» مطلع 2004 لمعالجة كل الانتهاكات السابقة، أو «هيئة الحقيقة والكرامة» في تونس بعد ثورتها عام 2011 رغم انتكاستها التي وصلت مؤخرا حد محاكمة رئيستها سهام بن سدرين، أو حتى تجربتي جنوب افريقيا بعد التخلص من نظام الفصل العنصري عام 1994 من خلال «لجنة الحقيقة والمصالحة»، ورواندا بعد حربها الأهلية الفظيعة والإبادة الجماعية التي عرفتها عام 1994 كذلك. بعد كل ذلك، يبقى الأمل أن تجد سوريا طريقها الخاص والمتميّز.
محمد كريشان
القدس العربي