تخطي للذهاب إلى المحتوى

القوميون الجدد: حراس الأسوار القديمة

2 أبريل 2026 بواسطة
القوميون الجدد: حراس الأسوار القديمة
Ameur


شهد الفكر القومي العربي المعاصر تحولات جذرية أدت إلى إعادة رسم خارطة تحالفاته ومنطلقاته الأيديولوجية، خاصة في العقد الأخير الذي أعقب حراك الربيع العربي. فبعد عقود من الهيمنة الفكرية لشعارات "الأمة الواحدة" و"الثورة على التبعية" و"مناهضة الاستعمار"، واجه التيار القومي مأزقا وجوديا وضعه أمام خيارات سياسية صعبة، أفضت في أغلبها إلى انزياح دراماتيكي نحو ما يمكن تسميته بـالقومية الوظيفية. هذا التحول لم يكن مجرد مناورة تكتيكية تفرضها موازين القوى، بل كان تعبيرا عن إعادة صياغة جذرية لمفهوم "العدو" و"السيادة"، حيث تقدمت فوبيا الوجود الإسلامي على ثوابت التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.

تتمثل إشكالية هذا المقال في رصد مظاهر الردة عن القيم الكلاسيكية للفكر القومي، وكيف تحول هذا الفكر من مشروع نهضة يطمح لتجاوز الدولة القطرية وتحرير الإنسان، إلى ظهير أيديولوجي يمنح الشرعية للمنظومات السلطوية القديمة تحت ذريعة حماية مدنية الدولة. ومن أجل تفكيك هذه الظاهرة وفهم أبعاد المتاهة القومية الحالية، سنقوم بالتركيز على أربعة مسائل أساسية:

- توطين العداء من خلال رصد الانتقال من استراتيجية تصفية الاستعمار إلى صراع تصفية الخصم الداخلي (الإسلام السياسي).

- أزمة السيادة عبر تبيان كيف تحول مفهوم "السيادة الوطنية" إلى أداة تُستخدم وظيفيا لتبرير تبعيتهم للمحاور الإقليمية وتخوين الشريك في الوطن.

- الانكفاء القطري وذلك بتحليل تحول الدولة الوطنية من عائق أمام الوحدة إلى حصن أيديولوجي ييحتمون به .

- المقايضة الاجتماعية عبر كشف آليات تقديم الأمن الهوياتي على العدالة الاجتماعية.


1- من "تصفية الاستعمار" إلى "تصفية الخصم الداخلي"


في الأدبيات القومية، كان "العدو" دائما خارجيا متمثلا في الإمبريالية والصهيونية، أما اليوم فقد تمت عملية توطين العداء وجعله داخليا وذلك بجعل الإسلام السياسي هو الخطر الوجودي الذي يتقدم على ما عداه.

في الحالة التونسية، تجلى هذا التحول في تبني قيادات نقابية وسياسية (من التيار القومي واليسار الوظيفي) لعقيدة تمنح أولوية تصفية الخصم الداخلي على استحقاقات البناء الديمقراطي، حيث جرى تبرير تعطيل المسار الانتقالي ومباركة إغلاق المؤسسات التشريعية لا بصفتها أدوات سيادة، بل بوصفها معاقل للعدو الداخلي. لقد صار استئصال "الأخونة" وحماية مدنية الدولة مبررا للارتماء في أحضان مركزية السلطة، وتفضيل هيبة القرار الأوحد على تعددية تضع الخصم الايديولوجي شريكهم في الوطن في سدة الحكم، وهذا ما حول عقيدة التحرر من الاستعمار إلى استراتيجية إقصاء للمواطن المخالف.

وفي مصر تحولت بوصلة التيار الناصري من نقد الدولة البوليسية إلى التغني بـالقبضة الأمنية. وقد صرحت رموز قومية علانية بأن الأمن مقدم على الحرية، معتبرين أن سحق "الإخوان المسلمين" هو المهمة الوطنية الأولى التي تشرعن التحالف مع رموز نظام مبارك. لقد تجسد التحول المأساوي للتيار القومي والناصري في مصر بشكل جلي في مواقف رموزه وقواعده بعد عام 2013، حيث تحولت البوصلة من مقارعة "الدولة البوليسية" إلى التغني بالقبضة الأمنية. وبرزت شخصيات كانت تعتبر أيقونات معارضة لاستبداد مبارك، مثل حمدين صباحي، الذي أعلن أن الأمن مقدم على الحرية في لحظات الخطر، مبررا التدخل العسكري والقوة الأمنية ضد جماعة الإخوان بدعوى حماية الدولة الوطنية. ومنح الأب الروحي للفكر الناصري المعاصر، الكاتب محمد حسنين هيكل، غطاء فكريا لهذا التحول بوصفه لتدخل الجيش بأنه استرداد للدولة، مما شرعن فكرة "الضرورة الأمنية" على حساب المسار الديمقراطي. وفي المجال الإعلامي، تحولت الأقلام القومية إلى تبني خطاب سلطوي يمجّد المؤسسة الأمنية ويعتبر نقدها خيانة، وهو ما حول هذه التيارات في النهاية من دعاة ثورة وتحرر إلى حراس نظام يمنحونه الشرعية لسحق خصمهم الأيديولوجي، ولو كان الثمن خسارة مكتسباتهم الديمقراطية.


2 - السيادة الوطنية: "قميص عثمان" الجديد.


تستخدم التيارات القومية اليوم مفهوم "السيادة الوطنية" كأداة أيديولوجية مرنة، حيث تم تحويله من مبدأ استقلال القرار الوطني إلى "قميص عثمان" يُرفع لتبرير إقصاء الخصم المحلي وتخوينه، بينما يتم غض الطرف عن تدخلات خارجية أخرى طالما أنها تصب في مصلحة تصفية الإسلام السياسي. وهذا ما يتجلى من خلال:


أ - السيادة الانتقائية" والمحاور الإقليمية:

لم تعد السيادة عند هذه التيارات تعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع التدخلات، بل أصبحت تعني استهداف محور بعينه وهو المحور التركي-القطري واعتباره احتلالا، في مقابل الاحتفاء بمحور الثورات المضادة واعتباره سندا قوميا.

في تونس برز هذا الموقف في خطاب قيادات من حركة الشعب وقوميين داخل اتحاد الشغل، حيث جرى التركيز بشدة على الدور القطري في دعم النهضة كاختراق للسيادة، بينما تم استقبال وفود أو دعم من محاور إقليمية أخرى مثل المحور الإماراتي-السعودي أو حتى النظام السوري بوصفه تضامنا عربيا ضد الإرهاب، مما جعل السيادة تخضع لفرز أيديولوجي وليس لمبدأ وطني ثابت.


ب- شعار "ليست للبيع" والاستخدام الوظيفي

يُرفع شعار "تونس ليست للبيع" أو "مصر ليست للبيع" بشكل مكثف من قبل القوميين فقط عندما يتعلق الأمر بانتقادات دولية حقوقية أو سياسية تخص التعامل مع المعارضة الإسلامية.

في مصر استخدم القوميون الناصريون بعد عام 2013 خطابا سياديا حادا لرفض أي نقد أوروبي أو أمريكي لفض الاعتصامات أو المحاكمات، معتبرين ذلك تدخلا سافرا. لكن هذا الخطاب غاب تماما عند توقيع اتفاقيات اقتصادية كبرى أو التنازل عن جزر إستراتيجية مثل تيران وصنافير، حيث برر بعض هؤلاء القوميين الأمر بـالحكمة السياسية أو الضرورات الأمنية، طالما أن النظام يحقق لهم غايتهم الكبرى في سحق الإخوان.


ج - الصمت عن التبعية الاقتصادية مقابل "تصفية المنابع"

تغيب نبرة السيادة التي يشتهر بها القوميون تاريخيا تجاه المؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد) عندما تكون هذه المؤسسات شريكا للنظام الذي يقصي الإسلاميين. والدليل هو القبول بشروط قاسية تمس جوهر السيادة الاقتصادية والقرار الوطني المستقل، مقابل ضمان أن السلطة مستمرة في تجفيف منابع الخصم الأيديولوجي. السيادة هنا تصبح وظيفية تُستدعى لإسكات صوت المنظمات الحقوقية، وتُستبعد عند توقيع صفقات تسليح أو قروض بمليارات الدولارات ترهن القرار الوطني لعقود.


3- الانكفاء القطري: سجن "سايكس بيكو" يصبح حصنا.


يمثل تحول الخطاب القومي من الوحدوية الشاملة إلى القطرية المتشددة أحد أبرز التحولات الجوهرية التي طرأت على هذا التيار، حيث تحول اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية التي تشكلت بموجبها الدولة الوطنية بحدودها الراهنة من عائق أمام نهضة الأمة إلى "حصن أخير" يُراد منه منع الصعود السياسي للحركات الإسلامية التي تطرح مفاهيم الأمة أو الخلافة العابرة للحدود.


أ - تقديس الحدود لدى القوميين:  

تاريخيا، كان القوميون يعتبرون الحدود القطرية عائقا استعماريا يجب إزالته، أما اليوم فقد أصبحت هذه الحدود "خطاً أحمر" لا لمواجهة الاستعمار، بل لمنع التغلغل الإيديولوجي للخصم المشترك ابن الوطن.

في مصر، برز تحول واضح لدى شخصيات ناصرية أيّدت بشكل كامل إغلاق الحدود وشددت على شعار مصر أولا، ووصل الأمر إلى تبرير حصار الأشقاء (مثل الموقف من قطاع غزة في فترات معينة أو التوتر مع قطر والسودان) بدعوى حماية الأمن القومي المصري من تصدير الأجندات الإخوانية. السيادة هنا لم تعد تعني الاستقلال عن الهيمنة الدولية، بل تعني الانغلاق الإقليمي لتأمين النظام ضد خصمه المحلي.


ب - من جيش العروبة إلى جيش النظام القطري.

انتقل الولاء القومي من فكرة الجيش الشعبي الذي يحقق الوحدة العربية إلى تقديس الجيوش النظامية القطرية باعتبارها الأداة الوحيدة القادرة على منع الفوضى وتمنع الخصم الايديولوجي من الوصول للحكم عبر الاقتراع الحر.

ففي الأزمة السورية مثلا دافعت تيارات قومية تونسية ومصرية مثل حزب حركة الشعب في تونس أو أحزاب ناصرية في مصر عن مركزية الدولة السورية وجيشها النظامي بشكل مطلق.

لقد تجاهل هؤلاء القوميون نقد القومية الكلاسيكية لهذه الجيوش بوصفها حامية لحدود "سايكس بيكو"، واعتبروا أن بقاء بنية الدولة القطرية الصلبة هو المنجز القومي الوحيد المتبقي، حتى لو كان ثمن ذلك القضاء على تطلعات الشعوب في التغيير، خوفا من البديل الإسلامي.


ج - تونسة/مصرة" الصراع وإسقاط البعد العروبي

شهد الخطاب القومي تراجعا في المفردات العروبية لصالح مفردات الخصوصية الوطنية أو الشوفينية المحلية لقطع الطريق على الخطاب الإسلامي.

 في الساحة التونسية السياسية والنقابية برز خطاب يركز على الاستثناء التونسي والنمط المجتمعي التونسي في مواجهة ما سموه الأجندات الغريبة. هذا الخطاب هو في جوهره "قطري" منغلق، يستخدم الهوية المحلية كترس يحمي المجال السياسي من أي تأثيرات عابرة للحدود قد يستفيد منها الخصم المحلي شريكهم في الوطن(الإسلام السياسي).

لقد سقط التيار القومي في فخ الواقعية المفرطة، فمن أجل هزيمة الخصم الإسلامي، تحصن داخل أدوات الاستعمار أي تحصن داخل الدولة القطرية والحدود الضيقة، فخسر مشروعه الوحدوي وتحول إلى مجرد مدافع عن كيانات قطرية كان يطمح يوما لتجاوزها نحو فضاء قومي أرحب.


4- العدالة الاجتماعية في مواجهة الأمن الهوياتي: المقايضة البائسة.


لقد شكّل انحياز القوميين نحو " الأمن الهوياتي " (حماية و صيانة النموذج المجتمعي التي أرسته الدولة) انتكاسة كبرى لصدقيتهم التاريخية كحركة انحياز للفقراء والمهمشين. ففي سبيل الانتصار في المعركة الثقافية ضد الإسلام السياسي، قَبِل القوميون (واليسار الوظيفي المتحالف معهم) بدور المسوق السياسي لسياسات اقتصادية كانت تاريخيا تمثل محرمات أيديولوجية وثوابت غير قابلة للمسّ في أدبياتهم.


أ - شرعنة الارتهان الدولي:

 في تحول جذري، تحول صندوق النقد الدولي من أداة إمبريالية لتركيع الشعوب إلى شريك تقني ضروري لاستقرار الدولة. هذا الصمت المريب تجاه رفع الدعم والخصخصة ليس ناتجا عن قناعة اقتصادية، بل هو ثمن سياسي مدفوع للمنظومة مقابل القيام بـتجفيف المنابع للخصم الوطني، حتى لو أدى ذلك إلى ترك فراغ تنموي واجتماعي يسحق الفئات الهشة.


ب - منطق الجوع المدني: 

برز في الحالة التونسية والمصرية خطاب نخبوي متعال يروج لفكرة أن "الجوع في ظل دولة مدنية مركزية أهون من الرخاء في ظل مشروع إسلامي". هذا المنطق لا يكتفي بتهميش المطالب المعيشية، بل يؤدلج المعاناة اليومية للمواطن، معتبرا أن الصبر على غلاء الأسعار وانهيار الخدمات هو ضريبة الخلاص من الإخوان. هنا، لم يعد الفساد الهيكلي أو سوء الإدارة هو التهديد، بل أصبح "الآخر شريك الوطن" هو معيار الخطر، وهذا ما تمرير أقصى السياسات النيوليبرالية قسوة دون خوف من معارضة قومية أو نقابية حقيقية.


ج- من محامي الشعب إلى منظر المنظومة: 

 تحول القومي من راديكالي يطالب بتوزيع الثروة وتأميم المقدرات إلى تقنوقراط أيديولوجي يبرر التقشف. هذا التحول أفقد التيار القومي قاعدته في المناطق المهمشة، حيث اكتشف المواطن أن نخبه القومية مشغولة بمعارك الحداثة والنمط المجتمعي في الصالونات، بينما تبارك توجهات تسحق قدرته الشرائية. لقد تمت التضحية بـالسيادة الغذائية والكرامة المعيشية في سبيل تصفية حسابات سياسية ضيقة.

إن مقايضة الخبز بالهوية لم تؤدِّ إلى حماية مدنية الدولة كما يزعم القوميون، بل أدت إلى إضعاف المواطنة نفسها، فالمواطن الذي يُسحق اقتصاديا باسم محاربة الخصم الأيديولوجي، ينتهي به المطاف كافرا بالدولة ومدنيتها، وهو ما يمهد الطريق لردات فعل اجتماعية عنيفة قد لا تجد من يوجهها.


الخاتمة: انتحار الفكرة وهزيمة المشروع.


إن مآل المتاهة القومية اليوم ليس مجرد إخفاق سياسي، بل هو انتحار فكري، فبتخلي القوميين عن البوصلة التي وجهت نضالهم لعقود (التحرر، والوحدة، والعدالة الاجتماعية) لصالح فوبيا الخصم الإيديولوجي، فقدوا مبرر وجودهم كحركة نهضوية. لقد تحولت القومية من مشروع لـتحرير الإنسان إلى أداة وظيفية لـتثبيت السلطان، حيث تمت مقايضة السيادة بالتبعية للمحاور، والعدالة الاجتماعية بالأمن الهوياتي، والديمقراطية بالاستبداد المركزي. والنتيجة هي خسارة تاريخية مزدوجة: فمن جهة، فشلوا في استئصال الخصم الذي سيظل كامنا في وجدان القواعد الشعبية، ومن جهة أخرى، استنزفتهم المنظومات القديمة التي استخدمتهم كواجهة شرعية لمرحلة انتقالية، قبل أن تلقي بهم في هامش النسيان بعد أن أتموا مهمة حراسة الأسوار. إنها رحلة تيه للقوميين انتهت بضياع الأمة في دهاليز الدولة، وضياع الثورة في أزقة الردة.


جلال عليبي 


علامات التصنيف