تخطي للذهاب إلى المحتوى

القاضي عمر الوسلاتي يقدم قراءة نقدية في قانون الانتداب الاستثنائي لخريجي الجامعات

23 ديسمبر 2025 بواسطة
القاضي عمر  الوسلاتي يقدم قراءة نقدية في قانون الانتداب الاستثنائي لخريجي الجامعات
Ameur

وإن كان هذا القانون يُقدَّم باعتباره استجابة لدور الدولة الاجتماعي وضمانًا للحق في التشغيل، فإنّه في جوهره جاء نتيجة ضغوط متراكمة، ومزايدات سياسية، وتبنٍّ متواصل للخيارات السهلة. فهو لا يعكس رؤية اقتصادية شجاعة بقدر ما يكشف عن ارتباك في إدارة أزمة بطالة طال أمدها، وعن لجوء متكرّر إلى الحلّ الأسرع سياسيًا، لا الأجدى وطنيًا.

يتعلّق الأمر بالقانون الصادر بتاريخ 22 ديسمبر 2025 والمتعلّق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام. وقد قُدِّم هذا النصّ باعتباره حلًا مرحليًا لإدماج آلاف العاطلين عن العمل، عبر آلية ترتيب رقمية ومعايير اجتماعية وعمرية، وعلى تطبيق تدريجي يمتدّ على عدّة سنوات.غير أنّ السياق الذي جاء فيه هذا القانون سياق مأزوم: سنوات من بطالة مزمنة، وتآكل في قيمة الشهادة الجامعية، وانسداد في الأفق الاقتصادي. لذلك يبدو القانون، في عمقه، أقرب إلى أداة لاحتواء الغضب الاجتماعي منه إلى سياسة تشغيل قادرة على معالجة جذور الأزمة. فالمسألة لا تتعلّق بحسن النية، بل بقدرة النصّ على إحداث أثر حقيقي ومستدام.أولى الإشكاليات تتعلّق بالأعداد. فالوظيفة العمومية التونسية تعاني أصلًا من تضخّم هيكلي وكتلة أجور تثقل كاهل المالية العمومية، وإدارة مشبعة بموظفين لا توازي إنتاجيتهم الموارد المرصودة لهم. في هذا السياق، يتحوّل الانتداب الاستثنائي إلى شكل من أشكال التشغيل الاجتماعي المقنّع، حيث لا تُخلق وظائف فعلية، بل تُنقل أزمة البطالة من المجال العام إلى داخل الإدارة.ثم تأتي شروط تطبيق القانون لتزيد الصورة تعقيدًا. فالاستفادة مشروطة بسلسلة من المعايير الصارمة: تسجيل مسبق بمكاتب التشغيل، بطالة طويلة الأمد، عدم الانتفاع بتسويات مهنية سابقة، عدم الانخراط في أنظمة الضمان الاجتماعي، عدم امتلاك معرف جبائي، وعدم الحصول على قروض تفوق سقفًا معيّنًا، إضافة إلى اعتماد مترشّح واحد فقط من كل عائلة. وهي شروط تُقصي، عمليًا، فئات واسعة من خريجي الجامعات الذين حاولوا العمل في ظروف هشّة، أو خاضوا تجارب محدودة خارج المنظومة الرسمية.الإشكال الأعمق يتعلّق بطبيعة الاختصاصات الجامعية نفسها. فالجامعة التونسية تخرّج سنويًا آلاف الشبان في اختصاصات لا تتلاءم مع حاجيات الإدارة العمومية، ولا مع وظائفها التقليدية. وفي عالم يتّجه بسرعة نحو الرقمنة، وتقليص الموارد البشرية، وأتمتة الخدمات، يبدو توسيع قاعدة الموظفين خيارًا يناقض التحوّلات العالمية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا سيفعل خريج جامعي داخل إدارة لا تحتاج مهاراته، ولا تملك مشروعًا جديًا للتحوّل الرقمي؟ يزداد هذا التناقض حدّة إذا ما لاحظنا أنّ القانون جاء معزولًا عن أي رؤية اقتصادية شاملة. فلا حديث جدّي عن مناخ استثمار محفّز، ولا عن ربط فعلي بين التعليم العالي والنسيج الاقتصادي، ولا عن سياسات عمومية تشجّع المبادرة الخاصة أو الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. الدولة هنا لا تُوظّف لأنها قادرة، بل لأنها عاجزة عن خلق شروط تجعل غيرها يُوظّف.في الخلاصة، لا يمكن لهذا القانون، رغم بعده الاجتماعي، أن يكون حلًا دائمًا لأزمة هي في جوهرها أزمة نموذج اقتصادي، لا أزمة انتداب. المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الاستيعاب الظرفي إلى منطق البناء: إدارة حديثة وذكية، محدودة العدد عالية الكفاءة، واقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص العمل خارج الدولة. وحدها هذه الخيارات الصعبة، لا السهلة، قادرة على ردّ الاعتبار الحقيقي للشهادة الجامعية، وتحويلها من عبء اجتماعي


علامات التصنيف