تخطي للذهاب إلى المحتوى

لماذا فشل "المشروع المواطني" بعد الثورة التونسية؟

27 يناير 2026 بواسطة
لماذا فشل "المشروع المواطني" بعد الثورة التونسية؟
Ameur

بعد إعلان الرئيس التونسي عن "إجراءات 25  تموز/ يوليو 2021"، كان الوضع التونسي ملتبسا إلى درجة خُيل للبعض من أنصار النهضة وحلفائها إمكانية تَونسة السيناريو التركي وتحرك الشعب من أجل إفشال ما أسمَوه بـ"الانقلاب" على الدستور وعلى عشرية الانتقال الديمقراطي، بينما ارتفع سقف مطالب آخرين -من أنصار استراتيجيتي الاستئصال الصلب والناعم- بحيث دعوا صراحة أو ضمنيا إلى تَونسة السيناريو المصري وتحويل "الإسلاميين" إلى ملف أمني-قضائي، باعتبارهم فائضا لا يحتاجه الحقل السياسي للاشتغال بصورة طبيعية داخل الدولة-الأمة بالمعنى البورقيبي.


وقد كنّا من أوائل من بيّن استحالة الفرضيتين بحكم خصوصية الوضع التونسي، كما كنا من الذين نبّهوا في أكثر من موضع إلى أنّ فشل الانتقال الديمقراطي سياسيا واقتصاديا؛ ليس في الحقيقة إلا فشلا للخيارات الكبرى التي قامت عليها المرحلة التأسيسية من جهة علاقتها بـ"الخطاب الكبير" -أي علاقتها بالبورقيبية وبالفلسفة السياسية اللائكية- وكذلك من جهة علاقتها بمنظومة الاستعمار الداخلي التي انبثقت عن تلك السردية وهيمنت على الدولة-الأمة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.


 لدولة الاستعمار الجديد أو منظومة الاستعمار الداخلي التي لا يستطيع أي منصفٍ أن ينكر أن الثورة قد قامت عليها وليس فقط على واجهتها السياسية. ولا شك في أن أي مقارنة بين نموذج "التحديث" في تونس وبين أي تجارب مشابهة -خاصة في جنوب شرقي آسيا أو حتى في بعض الدول الأفريقية- سيجعلنا أمام محصول اقتصادي واجتماعي وسياسي لا يمكن الدفاع عنه إلا من منظور القلة المستفيدة منه أو من الفئات الاجتماعية التي وقع تزييف وعيها، بحيث أصبحت تدافع عن مصالح غيرها وامتيازاتهم وكأنها حتمية تاريخية أو استحقاق لا يقبل المساءلة والمراجعة.


لقد كانت شعارات "الثورة التونسية" هي الشغل والحرية والكرامة الوطنية، وهي شعارات سيكون من باب التسطيح والاختزال أن نجعل نقيضها الموضوعي هو الواجهة السياسية لمنظومة الاستعمار الداخلي، أي نظام المخلوع بن علي. ولكنّ عقل الدولة العميقة نجح في هذا التسطيح والاختزال، بحيث أبعد النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي عن أي مساءلة وجعل التشريعات الحامية لمصالحها خارج أي مراجعة. ومن جهة ثانية نجحت تلك المنظومة في جعل إعادة بناء العقيدة الإدارية أو الأمنية -أي تحويلها من خدمة النظام/الحاكم إلى خدمة المواطن- مسألة خارج دائرة المفكر فيه منذ الثورة إلى الآن. وهو ما يجعل من أي "واجهة سياسية" سواء أكانت "مجلسا تأسيسيا" أم "تصحيحَ مسارٍ" عاجزة عن تهديد مصالح تلك المنظومة، بل مضطرة إلى التطبيع معها وبناء علاقة تعامد وظيفي مع نواتها الصلبة.


كان "المشترك الوطني" سواء بالنسبة إلى "الديمقراطيين" أو حتى بالنسبة للنهضة "التوافقية" هو مشترك تحت سقف البورقيبية وخياراتها "التحديثية". هي خيارات تكاد تحصر المكاسب في "مجلة الأحوال الشخصية" لتحجب بنية السلطة وفلسفتها السياسية الاستبدادية، ولتخفيَ سائر "المجلات" التجارية والتشريعات الاقتصادية التي يمكننا اعتبارها الدستور الحقيقي للجمهورية التونسية. ونحن لا نوافق القائلين بأن الدستور التونسي الحقيقي هو مجلة الأحوال الشخصية، بل نذهب إلى أن تلك المجلة ليست إلا مجرد حصن متقدم للدفاع عن منظومة الاستعمار الداخلي والتشريعات الاقتصادية التي تحمي مصالحها المادية. فالقوة الرمزية لمجلة الأحوال الشخصية لا تأتي من فاعليتها الاجتماعية، بل من دورها في الهندسة الاجتماعية التي تكفل مصالح منظومة الاستعمار الداخلي. ولذلك حرصت هذه المنظومة على تضخيم سردية "النمط المجتمعي التونسي" باعتباره نمطا استثنائيا يحمي المرأة ويضمن الحريات الفردية، لإخفاء حقيقة أن ذلك "النمط المجتمعي" ليس في الحقيقة إلا نمطا جهويا-زبونيا-استبداديا لا وظيفة له إلا إدارة التخلف والتبعية، وإنتاج الشروط الفكرية والموضوعية لتأبيد هذه الوضعية.


ونحن لا نشك في أن جميع مشاريع المعارضة، إذا لم تفكر بمنطق "الكتلة التاريخية" وتنقل مركز التفكير والاستعارة السياسية من "الوطن" إلى "المواطن"، وإذا لم تراجع بصورة نقدية علاقتها بالبورقيبية وأساطيرها التأسيسية وما كرّسته في المستويين الرمزي والمادي، وإذا لم تحدد أخيرا عدوها/حليفها الحقيقي بعيدا عن الكراريس الأيديولوجية المفوّتة، ستبقى مجرد ديكور سياسي في خدمة النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وأساطيرها التأسيسية، ولو بلغت ادعاءاتها الذاتية ومزايداتها على شركائها في الوطن والمصير عنانَ السماء.


علامات التصنيف