تخطي للذهاب إلى المحتوى

الهشاشةُ.. بداية لأيّ انهيار

26 مايو 2026 بواسطة
الهشاشةُ.. بداية لأيّ انهيار
Ameur

يصعب التّنبّؤ بالتّحوّلات الكبرى في تاريخ الدّول. لكن، يسهل، في المقابل، الوقوف عند بداية انهيارها. ولعلّ الهشاشة هي أبشع تمظهرات ذلك الانهيار، والبشاعة تكمن، هُنا، في تغذية حالة عدم اليقين داخل المجتمع، بشتّى توجّهاته وعلى اختلاف تموقعه. فالأمر أشبه ببناية بدأت تصدر منها أصوات التّصدّع الّذي يسبق انشطارها فسُقوطها.

في أقلّ من شهر، هزّت ثلاثة نُصوص الرّأي العامّ، رغم أنّها كان بالإمكان، في ظروف عاديّة وفي ظلّ نُخبة حاكمة أخرى أكثر تماسُكًا وتمكّنًا، ألّا ينتبه إليها أيّ تونسيّ.

لا شكّ في أنّ السّيل قد بلغ الزُّبى، بالفعل. فتونس مُصابة، اليوم، بحالة من الشّلل التّامّ. لم تجد السّلطات أيّ إجابة على أزمة "خروف العيد"..  لم تردّ على تلويح أهالي قابس بالعودة إلى الشّارع.. لم تتّخذ أيّ موقف حيال اختطاف إسرائيل ناشطين عرض البحر

النّصّ الأوّل كان مقالًا في صحيفة إيطاليّة محدودة الانتشار يُقدّم شخصًا مغمورًا – على الأقلّ بالنّسبة للأغلبيّة السّاحقة من التّونسيّين - على أنّه بديل مقبولٌ للرّئيس، قيس سعيّد.

النّصّ الثّاني هو بيان وزارة الدّفاع، المشهود لها بصِيامها عن الكلام، إلّا نادرًا، تُعبّر فيها عن رفضها الزّجّ بالمؤسّسة العسكريّة في أيّ تجاذبات.

النّصّ الثّالث كان منشورًا "تسرّب" إلى هواتف مستخدمي "اتّصالات تونس" يرفض ممارسات السّلطة.

أثارت النّصوص الثّلاثة حالة من الفضول، مخلوطة بالتّرقّب لشيء ما جلل وارتباك في التّحليل، وكأنّ الأمر يتعلّق بتغيير وشيك في أعلى هرمِ السّلطة. وزاد في تعزيز هذا الانطباع تواتر رسائل – وإن كانت هامشيّة – لمحسوبين على "مسار 25 جويلية/يوليو 2021"، يُستشفّ منها على أنّ "هناك من يسعى إلى القفز من السّفينة وهي تغرق". هذا إلى جانب توجيه انتقادات حادّة لوزراء، مقابل تجنيب سعيّد، الماسك بالصّلاحيّات كافّة، أيّ شكل من أشكال اللّوم.

لا شكّ في أنّ السّيل قد بلغ الزُّبى، بالفعل. فتونس مُصابة، اليوم، بحالة من الشّلل التّامّ. لم تجد السّلطات أيّ إجابة على أزمة "خروف العيد" الّذي ستُحرم منه آلاف العائلات التّونسيّة، هذا العام. لم تردّ على تلويح أهالي قابس بالعودة إلى الشّارع، احتجاجًا على استمرار محنتهم البيئيّة والصّحّيّة. لم تتّخذ أيّ موقف حيال اختطاف إسرائيل ناشطين عرض البحر حين كانوا يسعون، مع رفاقٍ لهم من شتّى أنحاء العالم، لكسر الحصار المفروض على قطاع غزّة. هذه القضايا فرضت نفسها خلال أسبوع واحد فقط، فما بالك بعشرات الملفّات المركونة جانبًا، دون أيّ رؤية، أي دون أيّ أفق لحلحلتها.

الخطاب الرّسميّ ماضٍ قُدمًا في الإنكار، من جهة، والتّصعيد، من جهة أخرى، وهو ما كرّس انقسامًا مُجتمعيًّا خطيرًا، نُلاحظه بشكل كبير في طريقة التّعاطي مع الملاحقات القضائيّة

فلا يُتوقّع أيّ تنفيس للاحتقان الاجتماعيّ والاقتصاديّ والحقوقيّ، ناهيك عن الأزمة المؤسّساتيّة والسّياسيّة الخانقة. بل إنّ الخطاب الرّسميّ ماضٍ قُدمًا في الإنكار، من جهة، والتّصعيد، من جهة أخرى، وهو ما كرّس انقسامًا مُجتمعيًّا خطيرًا، نُلاحظه بشكل كبير في طريقة التّعاطي مع الملاحقات القضائيّة الّتي تطال منتقدي السّلطة الحاكمة وملفّ المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصّحراء وتشخيص الحالة العامّة في البلاد.

وتتزامن حالة التّخبّط تلك مع عُزلة إقليميّة ودوليّة تكاد تكون غيرَ مسبوقة في تاريخ البلاد. فإلى جانب عُزوف سعيّد عن المشاركة في أيّ اجتماع خارج البلاد، غاب الصّوت التّونسيّ عن المواقف الجماعيّة حيال شؤون المنطقة، آخرها وليس أخيرها التّنديد العربيّ الإسلاميّ بإقدام ما يُسمّى إقليم "أرض الصّومال" على افتتاح سِفارة مزعومة لدى إسرائيل، في القدس المحتلّة، في بيان وقّعت عليه 16 دولة، من بينها الجزائر وموريتانيا، الّتي لا يختلف اثنان على أنّهما البلدان الأكثر تواصلًا مع سعيّد.

وإذا لم تُدعَ تونس للمشاركة في صياغة البيان، فتلك مشكلة. وإذا دُعيت وأعرضت، فتلك مشكلة أكبر.

وعلى العموم، لا يمكن إغفال الفراغ المقلق في عشرات المناصب، على مستوى السّفراء والقناصل، في مختلف التّمثيليّات التّونسيّة في الخارج، بشكل جعل البلاد خارج الزّمن السّياسيّ الإقليميّ والدّوليّ. ففي الوقت الّذي تتسارع فيه التّحولّات، في العالم، من إعادة تشكيل للتّحالفات وتوزيع الأدوار في المنطقة العربيّة وأفريقيا، تغيب تونس عن الطّاولة.

استمرار الجمود، في إدارة السّلطة لشؤون البلاد الدّاخليّة والخارجيّة، لا يُمكن إلّا أن يُفاقم الأزمة المُركّبة حتّى تبلغ نقطة الانفجار خاصة مع تفكّك الدّولة، في ظلّ تعاظم مركزيّة الحكم، وتزايد التّدخّل الخارجيّ

ولا يُؤثّر هذا الفراغ الدّيبلوماسيّ على العلاقات السّياسيّة فحسب، بل ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد، إذ تتراجع فرص الاستثمار والشّراكات. كما أنّه يترك الجاليات التّونسيّة في الخارج بلا سند فعليّ. لكنّ سلطة الأمر الواقع تبدو غير مكترثة بهذا الغياب، وكأنّها تراهن على الانغلاق الدّاخليّ، متجاهلة حقيقة أنّ الدّيبلوماسيّة ليست ترفًا بل شرطًا لبقاء الدّول على السّاحة.

إنّ استمرار الجمود، في إدارة السّلطة لشؤون البلاد الدّاخليّة والخارجيّة، لا يُمكن إلّا أن يُفاقم الأزمة المُركّبة حتّى تبلغ نقطة الانفجار. فمع تفكّك الدّولة، في ظلّ تعاظم مركزيّة الحكم، من جهة، وتزايد التّدخّل الخارجيّ – خاصّة في ملفّي الطّاقة والهجرة -، من جهة أخرى، لم تعد الحالة التّونسيّة، كما هي عليه الآن، قابلة للاستمرار.

فلا التّصعيد ضدّ أيّ صوت معارض، في الدّاخل، والعزلة، في الخارج، قدرٌ محتوم، على التّونسيّين مجاراته وتحمّل تداعياته الوخيمة. هذا منطق الطّبيعة! بيد أنّ التّاريخ يُعلّمنا أنّ هشاشة أيّ سلطة، حتّى وإن كانت مُؤذنةً بنهاية مرحلة، فإنّها قد تمتدّ في الزّمن. وبتراكم الأعباء، يُصبح أيّ شكل من أشكال التّغيّير، حينها، أمرًا في غاية التّعقيد.



بسام بونني 


علامات التصنيف