تخطي للذهاب إلى المحتوى

الفاعل الجماعي التونسي وعقدة "الاعتراف"

17 أبريل 2026 بواسطة
الفاعل الجماعي التونسي وعقدة "الاعتراف"
Ameur

بعد الحصول على الاستقلال الصوري من فرنسا، خضعت تونس لسلطة النخب الفرنكفونية التي أنتجت "الأساطير التأسيسية" لما يسمى بـ"النمط المجتمع التونسي"، أي النمط الفرنسي المُتونس بعد تعديله تبعا لاحتياجات السلطة. وقد كانت تلك النخب تتحرك تحت سقف "البورقيبية" باعتبارها سردية "التحرير" (احتكار الفعل المقاوم للاستعمار في شخص "الزعيم" مجاهدا ومفاوضا) و"التنوير" (احتكار سياسات التحديث الفوقي "للّحاق بركب الدول المتقدمة")، وكذلك باعتبار "البورقيبية" السردية المؤسسة للدولة-الأمة بالمفهوم الوستفالي للكلمة. وهو ما أنتج أشكالا متعددة من التوترات والصدامات، وكذلك بعض التسويات والصفقات والتسويات، مع السرديات الكبرى اليسارية -بشقيها الماركسي والقومي- منذ الاستقلال، ثم بشكلها الإسلامي منذ سبعينات القرن الماضي.


وإذا كانت البورقيبية -في مرحلتيها الدستورية والتجمعية- قد انفتحت في سياقات معينة على المكوّنين الماركسي والقومي، سواء في أجهزة السلطة المدنية والأمنية، أو في هوامشها الوظيفية داخل النقابات والمجتمع المدني، ومنحت أنصار تلك السرديات الكبرى مواقع/مكاسب فردية وجماعية مختلفة، فإنها قد عاملت المكوّن "الإسلامي" يغلب عليها الإقصاء الاستراتيجي مع بعض محاولات "الاحتواء" التكتيكي المؤقتة والعابرة.


 النهضة أن تكتب اعترافا سياسيا يتجاوز الاعتراف القانوني "الهش" والقابل للنقض، وهو ما جعلها تنفتح على بعض مكونات اليسار خلال مرحلة الترويكا وبعدها. ولكنّها كانت تتحرك سياسيا بوعي مداره أن تناقضها الرئيس ليس مع ورثة المنظومة القديمة من غير المؤدلجين، بل مع "اليسار الاستئصالي" بشكليه الصلب والناعم.


ولم تكن تجربة "التوافق" مع نداء تونس إلا تعبيرا عن هذا الوعي، فرغم أن النهضة لم تفتح ملف مسؤولية بعض مكونات اليسار سياسيا وأخلاقيا -بل جنائيا- عن جرائم النظام التجمعي، فإنها كانت تستحضر دائما مسؤولية ذلك اليسار ودوره النشط في ما تعرضت له من تضييقات ومآس مست الآلاف من المحسوبين عليها أو المتعاطفين معها. وهو ما جعلها تطلب "الاعتراف" ممن ترى إمكانية إيجاد أرضية مشتركة معهم، ولكنه خيار أثبتت الوقائع أنه لم يكن صائبا. وفي تقديرنا، فإن فقدان ذلك الخيار للصوابية السياسية لم يكن راجعا إلى قوة اليسار، بل كان راجعا إلى بؤس سياسة التوافق التي حولّت النهضة إلى شاهد زور على الخيارات اللاوطنية لورثة المنظومة القديمة وحلفائهم في اليسار الوظيفي


باستعمال الشبكة المفهومية الهيغلية، فإن الصراع السياسي في تونس هو في جوهره بحث عن "الاعتراف". لكنّ الإشكال يظهر عندما نطرح السؤال التالي: من هو الطرف الذي يسعى كل الفاعلين الجماعيين إلى الحصول على "اعترافه"؟ نظريا، فإن الاعتراف المطلوب في أية ديمقراطية تمثيلية هو اعتراف "الناخبين" أو صناديق الاقتراع؛ لأن شرعية الفاعل مستمدة بالضرورة من القاعدة الانتخابية التي يمثل مصالحها المادية والرمزية. ولكنّ السياسة في "الكيانات الوظيفية" أو في منظومات الاستعمار الداخلي لا علاقة لها بهذا المعطى النظري. ولذلك يمكننا أن نؤكد دون لبس أنّ "الاعتراف" الذي كان الفاعلون الجماعيين يطلبونه- وما زالوا- هو اعتراف النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي. فصراعاتهم البينية كلها لا تهدف إلى الحصول على "اعتراف الناخب"، وبالتالي بناء ديمقراطية حقيقية لا يخترقها المال السياسي الفاسد والتوافقات المشبوهة، بل هي صراعات هدفها الحصول على "الاعتراف" بدور "الوكيل" لتلك النواة الصلبة.


منذ عهد المخلوع، لم يعد من المفكّر فيه عند اليسار -باعتباره أقلية أيديولوجية بلا عمق شعبي- أن يحكم دون علاقة تعامد وظيفي مع منظومة الاستعمار الداخلي، أمّا النهضة، رغم عمقها الشعبي، فإنها بعد الثورة لم تفكر- لأسباب فكرية وموضوعية- بأن تتسيد ديمقراطية تمثيلية تواجه تلك النواة الصلبة أو تشتغل ضد مصالحها المادية والرمزية، كما أنها لم تطرح على نفسها بناء سردية جامعة للثورة تتجاوز جدليا "البورقيبية" باعتبارها سردية الاستعمار الجديد. وأمّا "تصحيح المسار" فإنه لا يبدو قادرا على تحقيق هذه المهمة التاريخية بحكم علاقات القوة اللامتكافئة بينه وبين النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وهوامشها الوظيفية، وبحكم عجزه عن إنتاج نخب بديلة تستطيع إدارة الصراع من خارج المقولات الأيديولوجية المفوّتة والرافضة لأية مراجعات أو نقد ذاتي جذري



عربي 21 


عادل بن عبد الله 


علامات التصنيف