ليس حدثًا إداريًا عابرًا أن يستقيل نورالدين الطبوبي من الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل، ولا هو تفصيل تقني أن يتولى فاروق العياري المنصب بالنيابة. ما جرى، اليوم 23 ديسمبر 2025، هو في جوهره انتقال داخل أخطر مؤسسة مدنية في البلاد، انتقال يأتي في ذروة انسداد سياسي، واختناق اجتماعي، ومواجهة مفتوحة بين السلطة وكل الأجسام الوسيطة تقريبًا. لذلك لا يُقرأ الحدث من زاوية الأشخاص، بل من زاوية اللحظة التاريخية التي يمرّ بها الاتحاد والدولة معًا.
الطبوبي يغادر المشهد مثقلاً بإرث مزدوج: قيادة نقابية صلبة في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، لكن أيضًا سنوات من التآكل الداخلي، وتصدّعات في الصف النقابي، واتهامات – بعضها من داخل البيت – بأن الاتحاد انزلق تدريجيًا إلى موقع ردّ الفعل بدل المبادرة. استقالته، مهما كانت دوافعها المعلنة، لا يمكن فصلها عن هذا السياق: اتحاد محاصر من سلطة لا تعترف بالشركاء، ومن رأي عام أنهكته الأزمات، ومن قواعد نقابية باتت تسأل بقلق: إلى أين نمضي؟
في هذا الفراغ المتوتّر، يدخل فاروق العياري. ليس وجهًا طارئًا ولا قادمًا من خارج المنظومة، بل ابن الجهاز النقابي، رجل تنظيم قبل أن يكون رجل منابر. وهذا بالذات ما يجعل توليه الأمانة العامة بالنيابة لحظة دقيقة: هو مطالب في الآن نفسه بطمأنة الداخل، وقراءة الخارج، واتخاذ قرارات لا تحتمل التأجيل. الاتحاد اليوم لا يملك رفاهية الانتظار.
أول الاختبارات الكبرى أمام قيادة العياري هو ملف الإضراب العام المعلن في جانفي المقبل. هنا تتفرع السيناريوهات، وكل واحد منها يحمل كلفة سياسية واجتماعية عالية. السيناريو الأول هو المضي قدمًا في الإضراب العام بوصفه رسالة قوة واستمرارية، تأكيدًا على أن تغيير القيادة لم يكن تنازلاً ولا انكسارًا، وأن الاتحاد ما زال قادرًا على شلّ دواليب الدولة إذا اقتضى الأمر. هذا الخيار يعيد تعبئة القواعد ويستعيد صورة الاتحاد كقوة ضاغطة، لكنه في المقابل يضع المنظمة في مواجهة مباشرة مع سلطة اعتادت تحويل الأزمات إلى معارك كسر عظم، وقد تستثمر الإضراب لتصوير الاتحاد كمعطّل للدولة في لحظة اقتصادية حرجة.
السيناريو الثاني يتمثل في تأجيل الإضراب أو تحويله إلى تحركات قطاعية أقل حدّة، بذريعة إتاحة فرصة أخيرة للحوار. هذا الخيار قد يُقرأ كحكمة سياسية ورغبة في تفادي التصعيد، لكنه يحمل خطرًا داخليًا كبيرًا: أن يُفهم داخل القواعد النقابية على أنه تراجع أو بداية ليونة غير محسوبة، خاصة بعد سنوات من الخطاب التصعيدي. العياري هنا سيكون مطالبًا بشرح القرار، لا ببلاغات فضفاضة، بل بخطاب صريح يعترف بحجم المأزق ويقنع القواعد بأن التكتيك لا يعني التفريط.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، فيقوم على استخدام ورقة الإضراب لا كغاية بل كوسيلة تفاوض قصوى: إبقاؤه قائمًا مع فتح قنوات حوار مشروط، واضح السقف، محدد الأجندة. حوار لا يُدار في الكواليس ولا يُختزل في صور بروتوكولية، بل يُبنى على ملفات ملموسة: الأجور، القدرة الشرائية، المؤسسات العمومية، والحريات النقابية. نجاح هذا السيناريو يتوقف على عاملين: استعداد السلطة للتراجع خطوة عن منطق الإنكار، وقدرة قيادة العياري على ضبط الصف الداخلي ومنع الانفلات.
الحوار مع الدولة، في كل الأحوال، لن يكون عودة إلى ما كان. نحن أمام سلطة لا ترى في الاتحاد شريكًا طبيعيًا بل خصمًا ظرفيًا، وأمام اتحاد يدرك أن موقعه التاريخي كوسيط وطني يتآكل إن لم يُعاد تعريفه. العياري إن اختار طريق الحوار، سيكون عليه أن يعيد بناء شرعية التفاوض من موقع الندّية لا الاستجداء، وأن يثبت أن الاتحاد لا يفاوض ليؤجّل الصدام فقط، بل ليحقق مكاسب حقيقية قابلة للقياس.
المشهد التونسي لا ينتظر كثيرًا. إما أن ينجح الاتحاد تحت قيادة العياري في إعادة تموقعه كقوة اجتماعية منظمة، مستقلة، وقادرة على فرض معادلة توازن جديدة، أو ينزلق – لا قدّر الله – إلى مرحلة تهميش تدريجي، حيث يُستدعى فقط كفزاعة أو شماعة. اللحظة الراهنة لا تختبر العياري وحده، بل تختبر فكرة الاتحاد نفسها: هل ما زال هذا الجسد العتيق قادرًا على تجديد دمه، أم أننا أمام بداية أفول دور ظلّ لعقود أحد أعمدة الدولة والمجتمع؟
الأيام القليلة القادمة، ومعها جانفي الساخن، لن تجيب فقط عن مصير إضراب أو حوار، بل عن سؤال أعمق: هل لا يزال في تونس من يستطيع الوقوف بين الدولة والانفجار الاجتماعي، أم أن الجميع يندفع، كلٌ في طريقه، نحو حافة اللاعودة .
الباحث و المحلل الجمعي الصحبي العليمي