تخطي للذهاب إلى المحتوى

احتجاج بلا قيادة: الجيل زَاد وتَعريف الفعل السياسي في تونس

7 فبراير 2026 بواسطة
احتجاج بلا قيادة: الجيل زَاد وتَعريف الفعل السياسي في تونس
Ameur

رموز وصور شخصيات  الأَنمي اليابانية[1] الأشهر من سلسلة “وَن بيسْ” (one piece) تُرَفرف جنبًا إلى جنب مع شعارات مكتوبة على اللاّفِتَات المستلهمة من أغاني الألتراس، بلغة تمزج بين اللهجة العامية التونسية واللّغة الأنڨليزية. وأحيانا لباس أسود مُوحّد وشماريخ مشتعِلة، مرفُوقَة بهتافات حماسيّة  وتناغم في الشعارات الجماعيّة المنسجمة على إيقاع الطّمبور والتصفيق المتواصل الذي يخلق نبضًا جماعيًا لا يخطئه السمع.


مشهد يبدو قادما من مدارج ملاعب كرة القدم، لكنّه في حقيقة الأمر يَحدث في الشارع على أرض الواقع، حيث تتحوّل رموز وأدوات التشجيع إلى أدوات احتجاج، وتغادر آليات وطرق احتجاج جماهير المدارج حدود الملعب لتستعيد الفضاء العام المُصادَر وتمنح الفعل السياسي دفعا وروحا جديدة بلغة تمزج بين الجسد والصوت والصورة. هنا لا يعود الاحتجاج مجرّد لافتة أو بيان منشور على أحد شبكات التواصل الاجتماعي، بل عرضا جماعيًا مشحونًا بالذاكرة الاحتجاجية الممزوجة بثقافة الألتراس وصور شخصيات المانغا/الأنمي التي تُرافِق صور الشخصيات السياسية والمدنية القابعة وراء القضبان جنبا إلى جنب، حيث تتداخل الشعارات السياسية المُطالِبَة بالحرية والعدالة مع الغضب من الوضع الاقتصادي والاجتماعي السائد. فسيفساء تعبيرية لكنها تتّفق على مطلب أساسي؛ وهو الحرية بوصفها أسمى القيم الإنسانية.


من شوارع العاصمة تونس ومدارج ملاعبها الرياضية وصولا إلى مدارج ملاعب ڨابس وشوارعها (الجنوب الشرقي)، تتوحّد الشعارات وإن اختلفت السياقات وترتيب أولوية  المطالب، من “تِيفُوهات” تبدأ من الدفاع عن القضية الفلسطينية والحريات المدنية والسياسية وصولا إلى المطالبة بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي وحق المواطنين في بيئة سليمة.


تتعدّد القضايا لكن الأسلوب متشابه؛ احتجاج بأبعاد بصرية صاخبة ومُتقَنة تُراهن على التأثير والانتشار أكثر ممّا تُراهِن على الخطاب الكلاسيكي المضبوط بحدود أيديولوجية مغلقة. أساليب وصور تنتمي لهذا الجيل الغاضب، الذي وَلدَ ونشأ مع ثورات الربيع العربي وانتشار وسهولة التصوير والنشر وحرية شبكة الإنترنت وسهولة النفاذ إليها.


في قلب هذا المشهد الاحتجاجي، يبرز “الجيل زاد” بوصفه فاعلا مركزيًّا لا يطلب الإذن ولا يعترف بالوساطة والزعامات التاريخية. جيل يتقن لغة الصورة والتعبير بأساليب مبتكرة ينشرها على مختلف المنصّات والمحامل الرقمية (الأنستغرام والتِيك توك والديسكُورد ومختلف منصّات الستريم البث للألعاب الرقمية،[2]الكيك، إلخ) ويُعِيد هذا الجيل إنتاج رؤيته الخاصة لمجموعة من رموز الثقافة الشعبية والأيقونات النضالية المحلية والعالمية ليُحَمِّلَها دلالات محلّية شديدة الخصوصية ومضامين كونية عابرة للحدود الجغرافية، حيث تتحوّل صورة شخصية “لُوفي القرصان قبعة القش[3]“، الشخصية الرئيسية لـ”مَانغا أنمي وَن بيس” رمزا لاحتجَاجات الجيل زاد في النيبال والمغرب، وصولا إلى وقفات ومسيرات المعارضة في الشوارع التونسية والمُظاهرات المساندة لحق الشعب الفلسطيني في مختلف شوارع العالم.


الجيل زاد لا يتحرّك داخل الأطر التنظيمية التقليدية بقدر ما ينخرط ميدانيا في عمل جماعي قد يكون عابر، هذه المشاركة الاحتجاجية يُصوغها التحرك الميداني المشترك أكثر ممّا تصوغها البرامج والهياكل. ويُعبّر عن نفسه عبر وسائط التواصل الاجتماعي وفي الشارع في الآن ذاته، منخرطًا في تحرّكات تُطالب بالحريات والعدالة وترفض التضييق على المجتمع المدني عبر المحاكمات غير العادلة، دون أن يمنح ثقته الكاملة لأي إطار سياسي أو مدني. هذا النمط من الفعل الجماعي يعكس تحوّلًا عميقًا في معنى الاحتجاج في تونس، حيث لم تعُد السياسة حكرًا على النخب أو قاعات الاجتماعات، بل ممارسة حية تتشكل في اللحظة وتستمد قوتها من الحضور والانتشار. فهل نحن أمام جيل يُعيد اختراع أساليب الاحتجاج ويؤسس لشكل جديد من السياسة بلا تنظيمات ولا زعامات؟ وهل تملك الأحزاب والنخب التونسية القدرة على فهم هذا التحول والتفاعل معه، أم أن الفجوة بينها وبين الجيل زاد مُرشَّحَة لمزيد من الاتساع؟


الجيل زاد: ملامح جيل خارج القوالب

يمكن تَعريف الجيل زاد (Generation Z) سوسيولوجيا وديموغرافيا -بشكل عَامّ- بأنه المجموعة الديموغرافية التي تَلي جيل الألفية، ويُعرّف عادةً بأنهم الأشخاص المولودون بين منتصف التسعينيات (حوالي 1997) وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (حوالي 2010-2012). ويتميز بمجموعة من الخصائص والسِمات الرئيسية المتفردة؛ حيث  يُوصف الجيل زاد بأنه أوّل جيل “رقمي أصلي” نشأ مع الإنترنت المفتوحة والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بوصفها جزء أساسي من حياتهم اليومية، وهو ما شَكَّلَ علاقاتهم الاجتماعية.


يتميز أفراد هذا الجيل من الناحية السياسية باهتمَامهم بقضايا جديدة مقارنة بالأجيال السابقة مثل تغير المناخ وحق الأجيال القادمة والحقوق الرقمية، إضافة إلى القضايا المشتركة مع باقي الأجيال مثل العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية وضعف الخدمات العامة ومكافحة الفساد، وغالباً ما يُصَوَّرون على أنهم أكثر تعلماً من الأجيال السابقة، لكنهم أيضاً أكثر عرضة للتوتر والاكتئاب بسبب الضغوط الرقمية والمجتمع “السائل”[4] الذي يفتقر إلى الروابط التقليدية، كما وصفه عالم الاجتماع زيجمونت باومان[5].


يتميّز الجيل زاد برؤية مختلفة في فهم الواقع والتعامل معه، فهو جيل وُلد وسط التحوّلات السريعة وتكوّنت علاقته بالعالم من خلال شاشة الهاتف الذكي قبل أي وسيط آخر. لكن هذه النشأة ومساحة الحرية النسبية مقارنة بالأجيال السابقة لا تعني أنه جيل متخلص من كل أشكال الهيمنة مثل سطوة الأبوية أو باقي العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي عانت منها الأجيال التي سبقته، أو أنه جيل مُفرَغ من الانتماءات الفكرية والأيديولوجية، بمعنى أنه جيل نهاية الأيديولوجيا والأحزاب وطرق التنظيم الكلاسيكية كما يُرَوّج له.


يشترك  هذا الجيل في جملة من السمات، حيث أنه يميل إلى التعبير الفردي والجماعي لكن دون تنظيم مدني أو سياسي واضح ومعلن، بحيث تتشكّل اللحظة المشتركة بسرعة وتنتشر بالسرعة نفسها، في الشارع كما على منصّات التواصل لا يهمّ من يقود بقدر ما يهمّ أن يكون الصوت واحدًا والإيقاع مشتركًا. الشعارات قصيرة وقابلة للترديد، والصور أقوى من الخطب الطويلة. السخرية (المِيمزْ) جزء أساسي من لغته وسلوكه على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي ليست هروبًا من الواقع بل طريقة ذكية لتفكيكه والاحتجاج عليه دون الوقوع في المباشرة أو التلقين أو تحت طائلة المرسوم 54 مثلما هو واقع الحال في تونس. الجيل زاد جيل حسّاس تُجاه الظلم والإقصاء، لا ينتظر وعودًا بعيدة بل يُطالب بحلول ملموسة واحترام فوري، ويحوّل تفاصيل حياته اليومية إلى قضايا عامة. لا يعكس انسحابه أحيانًا لا مبالاة، بل أسلوبًا جديدًا في الاحتجاج يرفض القوالب التقليدية ويبحث عن طرقه الخاصة للتعبير. وترتبط علاقته بالمانغا وألعاب الفيديو والملاعب والراب بعالم رمزي واحد يمزج المتعة بالغضب، حيث يستلهم رموز التمرّد والعمل الجماعي وتحدّي القواعد، ويعيد إسقاطها على نظرته إلى الواقع والاحتجاج.


في الملاعب، يجد الجيل زاد امتدادًا طبيعيًا لهذه الثقافة حيث الإيقاع، الصوت الجماعي، الحركة المنسّقة والانتماء اللحظي الحر. المدرّجات تتحوّل إلى مساحة للتعبير الحرّ، تُختَبَر فيها القوة الجماعية دون وسطاء وتُصاغ فيها لغة خاصة من الأهازيج والرايات والرموز، كثيرًا ما تخرج من أسوار الملعب إلى الشارع. ويُمثل الرّاب الصوت الأكثر قربًا لهذا الجيل لأنه يتحدّث بلغته اليومية، يروي غضبه وتناقضاته دون تزيين، ويحوّل التجربة الفردية إلى قصة مشتركة يمكن ترديدها. ما يجمع هذه العوالم كلّها هو الإيقاع والرمز والشعور بالانتماء المؤقّت، حيث لا توجد قيادة ثابتة ولا خطاب رسمي بل تجربة جماعية تُعاش بكثافة ثم تَتبدّد. هكذا يصنع الجيل زاد ثقافته الاحتجاجية من مواد تبدو ترفيهية في ظاهرها، لكنها في العمق أدوات تعبير عن الذات ووسائل لقول ما لا تسمح القنوات التقليدية بقوله.


تُسجَّل مشاركة الجيل زاد في الوقفات الاحتجاجية ضد الرئيس قيس سعيّد حضورًا لافتاً، يتّسم بالاندفاع الرمزي أكثر من الالتزام التنظيمي (الحزبي). يظهر تأثير تواجد هذا الجيل بشكل واضح في الشعارات واللافتات والإيقاع الجماعي وسرعة انتشار الأحداث والصور على وسائط التواصل وفي الخيال الثقافي البديل والمبدع في التعبير عن الرفض والاحتجاج، دون انخراط دائم في هياكل المعارضة التقليدية. يُمكن فهم طبيعة ميل هذا الجيل إلى هذا النمط أو المشهدية الاحتجاجية بكون هذا الجيل هو الإبن الأصلي للمجتمع الرقمي المفتوح والاحتجاج وفق رؤية تجمع بين وضوح ومشروعية المطالب المرفوعة وإخراج جميل ومُتقن للمظاهرات (على أرض الواقع أو في الوسائط الافتراضية).


رغم ذلك من الأنسب عدم التعامل مع “الجيل زاد” على اعتباره كياناً جِيليا متجانسا مكتفيا بذاته، وكأنّ الانتماء العمري قادر وحده على تفسير المواقف والخيارات، في حين أنّ هذا الجيل يتشكّل داخل بنية طبقية واجتماعية وثقافية غير متكافئة، وتخترقه تناقضات حادة بين المركز والأطراف، وبين الريف والمدينة، وبين من يملكون ومن لا يملكون، بما يَجعَل تجاربه ووعيه السياسي مُتعدّدا ومتصادماً أحيانا. كما أنّ اختزال الجيل في بعده المشهدي الصاخب، بوصفه كتلة رافضة للانتماءات التقليدية يحوّل وصف المشهدية وطرق الاحتجاج إلى تحليل سياسي اختزالي، ويُغفل فهم الأفراد كذوات اجتماعية تدخل في علاقات مركّبة مع السلطة والمجتمع ومع منطق الاستهلاك المعولم، كلٌّ بحسب موقعه وشروطه. ويزداد الإشكال حين تُقدَّم مقولة “الجيل زاد” كتصنيف تقني محايد، بينما قد تكون في الواقع محمّلة برؤية إيديولوجية تربط التجدد الاجتماعي بالتجدد التقني، وتختزل أفق التغيير في التكنولوجيا، بما يهمّش البعد الإنساني للصراع الاجتماعي ويقيّد الفعل السياسي والإبداعي.


الجيل زاد والأحزاب التقليدية: سُوء فهم متبادل

ربّمَا تَبدو علاقة جيل زاد بالسياسة والأحزاب أكثر توتّرًا من غيرها لكنها لا تعبّر بالضرورة عن قطيعة جيلية استثنائية أو عن حكم قِيَمي خاص بهذا الجيل وحده. فخطاب اللاّ تحزب يتجاوز جيل زاد ويشمل أيضًا تيارات من خارج الأجيال الشابّة بما فيها حتى القوى الرافضة للثورة، ما يدل على أن الإشكال لا يكمن في الأحزاب بحد ذاتها بل في تحولات أعمق في علاقة كل فئات المجتمع مع مختلف الفاعلين السياسيين والعمل السياسي بشكل عام. في هذا السياق، تبرز المسألة بوصفها ضرورة تحليل تمثّلات الشباب للسياسة باعتبارها ظاهرة عابرة للأجيال، مع إيلاء عناية خاصة لخصوصيات الجيل زاد، حيث أنه يتفاعل مع المجال السياسي من داخل واقع يتسم بالهشاشة الثقافية والاجتماعية، وفي إطار مشهد استهلاكي تُهَيمن عليه ثقافة العولمة النيوليبرالية. وضمن هذا الأفق لا تعود علاقة هذا الجيل بالسياسة محدَّدة أساسًا من خلال موقفه من التنظيم الحزبي، بقدر ما تتجلى في تحوّل أنماط إدراكه للمجال السياسي وممارساته وأشكال حضوره فيه. لكن هذا لا ينفي أن العلاقة بين الأحزاب السياسية والنخب التاريخية والجيل زاد تقوم على سوء فهم متبادل وفجوة أجيال تُعمّق القطيعة بدل الشراكة.


يكشف هذا التوتر -في بعض جوانبه- عن فجوة لا تزال الأحزاب عاجزة عن ردمها؛ فبينما تفكّر النخب بمنطق البرامج والهياكل والتحالفات يتحرّك الجيل زاد بمنطق القضايا واللحظة والكرامة الفردية. وهكذا يتحوّل الجيل زاد في خطاب الأحزاب التقليدية من فرصة للتجديد السياسي وتدعيم الهياكل الحزبية بنَفَس وروح شبابية تنتمي إلى عَصرها إلى مشكلة يُصبح تفسيرها الأسهل بإطلاق أحكام عامة حول هذا الجيل بوصفه جيل غاضب غير قابل للتأطير، لكنه رغم كل ذلك يواصل فرض حضوره خارج القواعد التي صُمِّمَت من دونه.


أصبح الجيل زاد رقما محدّدا في كل المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم من احتجاجات النيبال مرورا بحركة GenZ212 بالمغرب وصولا إلى الاحتجاجات الحاشدة في مدغشقر ومسيرات المعارضة في تونس دون أن ننسى المظاهرات الطلابية المساندة للقضية الفلسطينية في  شوارع أغلب الدول الأوروبية  وكبرى الجامعات الأمريكية. حيث أصبح أفراد الجيل زاد يشكلون حوالي 32% من سكان العالم (نحو 2.5 مليار شخص)، خاصة في آسيا وأفريقيا، ومن المتوقع أن يُمثّلوا 27% من القوى العاملة بحلول [6]2025، مع قدرة شرائية تصل إلى 12 تريليون دولار حالياً ترتفع إلى 33 تريليون بحلول 2030 و74 تريليون بحلول 2040، مدفوعة بنموّ التعليم والأجور (8% في 2025) حسب أرقام موقع اتحاد البنوك العربية،  حيث سيكون المنتمين للجيلين زاد وألفا قد عاشوا تطورات وطفرات الذكاء الصناعي وتطوره وتأثيره على مختلف أبعاد حياتهم الاجتماعية وفرص عملهم بحكم أن الكثير من الوظائف سوف يعوضها الذكاء الصناعي.


أبناء الجيلين زاد وألفا يغيّرون أنماط الاستهلاك نحو التجارب الرقمية والاستدامة ويفضلون المرونة وتأسيس مشاريعهم الناشئة الخاصة والعمل عن بعد، مما يدفع الشركات لتعديل سياساتها رغم أن 72% يفكرون في ترك وظائفهم بسبب نقصها. لكن لا يمكن فهم  الجيل زاد (والأجيال التي سوف تلحقه) خارج كونه في جزء كبير منه ضحية مباشرة للمجتمع الاستهلاكي المعولم، الذي حوّل الأفراد إلى ذوات مُستهلِكة، وربط قيمتهم بالظهور والتموقع والقدرة على النفاذ إلى السوق والرموز، أكثر مما ربطها بالفعل الجماعي أو المعنى السياسي. وفي الوقت نفسه لا يقلّ هذا الجيل كونه ضحية لضعف تجدد الأحزاب السياسية وعجزها عن إنتاج خطاب وتنظيمات قادرة على استيعاب تحولات المجتمع وأسئلته الجديدة، ما عمّق القطيعة مع السياسة بدل تجديدها. ومع ذلك فإن اختزال الجيل زاد في صورة واحدة يظل خطأً تحليلياً، لأنه ليس وحدة متجانسة، بل فضاء متشظٍّ تحكمه الفوارق الطبقية والمجالية والثقافية، وتُنتَج داخله مواقف ومسارات متباينة، تتراوح بين التكيّف مع منطق الاستهلاك، ومحاولات متعثرة للبحث عن أفق سياسي واجتماعي بديل.


هذا ما يجعل من فهم واستيعاب متطلبات الجيل زاد والجيل ألفا الذي يصغره سناً بمثابة الضرورة الحيوية، بخاصة من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن هذا التفهّم لخصائص هذين الجيلين سوف تنعكس على مستقبل العالم، بحكم أن الجيلين هما قادة العالم القادمون ويمثلون النسبة الأكبر من القوى العاملة في أفق الخمسين سنة القادمة.


في النهاية، لا يمكن فهم الجيل زاد بوصفه جيلاً عابراً أو حالة شبابية مؤقتة، بل باعتباره تعبيراً عن تحوّل عميق في المجتمعات المعاصرة وفي أنماط الوعي والاحتجاج والانتماء. هو جيل يُعيد تعريف السياسة والثقافة والفضاء العام خارج الأطر التقليدية ويطرح بأسئلته وممارساته تحدّياً مفتوحاً أمام المجتمع والدولة معاً: كيف نصغي إلى جيل لا يشبه من سبقه، ولا يريد أن يُمثَّل إلا بصوته الخاص؟


المفكرة القانونية 

مالك الزغدودي


علامات التصنيف